حكم أخذ الطبيب للهدايا من سكان منطقته

رقم المجلس: 
73
رقم الفتوى: 
7

السؤال:

جزاكم الله خيرا وبارك فيكم، هذا طبيب يسأل يقول: أنا أعمل كطبيب في عيادة عمومية في منطقة نائية وكثيرا ما أتلقى هدايا من السكان على شكل طعام أو غير ذلك من أشخاص أعرف بعضهم ولا أعرف بعضهم الآخر قد أكون عالجت البعض منهم؟ فما حكم قبول مثل هذه الهدايا؟ وهل هي من هدايا العمال؟ نود منكم التفصيل في ذلك.

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أولا بارك الله في هذا الطبيب الذي أسأل الله -جل وعلا- أن يبارك فيه وأن يبارك له، وأن يجعله مباركا أينما كان، يعني شيء طيب جدا يثلج الصدور ويفرح القلوب أننا نسمع من بعض إخواننا يعني مثل هذه الأسئلة التي تدل على الورع وتدل على تقوى الله جل وعلا نسأل الله عز وجل أن يثبتنا وإياه على الحق، وسؤالك هذا قد عرض على الشيخ ابن باز - رحمه الله – فأردت أن أفيدك به وقد استفدت منه استفادة عظيمة في معرفة قدر هؤلاء العلماء ونظرتهم واستنباطاتهم قال - رحمه الله - : «إذا كان -يعني هذه الهدية- إذا كان بعد العلاج وبعد النهاية -يعني ما انتهى منه- لا نعلم فيها شيئا -يعني من التحريم لأن الأصل في الأشياء الإباحة بمعنى أنه يرى جوازها- وتركها أولى إذا كان عمل الحكومة لألَّا يجره ذلك إلى التخصيص بالاجتهاد دون بقية الناس» يعني إذا كان عملك في التطبيب في مركز أو مشفى أو عيادة حكومية فهذا يتأكد بالنسبة لك أن تركك لمثل هذا أولى لك لما يترتب عليه من المفاسد، من هذه المفاسد التخصيص بالاجتهاد دون بقية الناس يعني من أهداك كما نقول نحن «تتهلا فيه أكثر» ومن لم يهدك ربما بـ«الخفيف» فقط دون بقية الناس أما إذا كان طبيب نفسه هذا بالأجرة التي تعاقدنا عليها يعني أنت وهذا المريض في عيادتك الخاصة أو بما يشاء من الأجرة يعطيه إذا كان ما شرط له شيئا هذا الغالب يكون بالنسبة لأطباء القرى والمداشير يعني يرحمون الناس ويأتيه المريض ويعطيه ما تيسر ولا يكلفه الطبيب ما لا يطيق كما يفعل البعض الآخر في مثل هذه المدن الكبيرة، أما قال الشيخ ابن باز - رحمه الله – بما شاء من الأجرة، يعطيه إذا كان ما شرط له شيء أما إذا كان في مستشفى الحكومة ومستوصف الحكومة فلا يعط شيء لكن لو أعطاه بعد الخلاص وبعد النهاية من دون وعد ومن دون شيء لعله لا حرج، يقول الشيخ، لكن تركه أحوط من باب: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»(1)، حتى ولو بعد ذلك لأنه قد يتفق معه بعد ذلك من الداخل قد يخصه بمزيد عناية ويهمل المرضى الآخرين، فالذي أرى أنه لا يعطيه شيء ولو بعد الفراغ وقد تتوق نفسه أيضا سدًّا للباب وسدًّا للحيل، لا ينبغي أن يعطيه شيء بل يدعو له، يدعو له بالتوفيق والإعانة ويقول جزاك الله خيرا، نسأل الله لك الإعانة والتوفيق، هذا كلام طيب، ولهذا وبناء على ما سمعنا من كلام الشيخ فإننا ننصح أخانا وهذا كذلك يرجع ربما ما ذكره الشيخ يرجع إلى عرف الناس، في بعض الأمور التي نعتبرها أمورا عادية كأن يكرم المريض وهذا لفرحه والطبيب هذا عمله يؤديه بتلك الصورة والصفة مع الناس جميعا من أعطاه ومن لم يعطه وهو لم يتقصّد هذه العطية ولم يردها أصلا، وهذا يجرنا إلى مسألة أخرى يعرفها الأطباء، وهذه أصبحت ظاهرة، ظاهرة تسويق الأدوية عند الأطباء بعض الشركات المصنعة للأدوية تأتي للأطباء تطوف على عياداتهم وتعطيهم نوعية هذا الدواء الجديد وتحفزهم على تسويقه وتسويقه بالنسبة للأطباء سهل، يعني عوض أن يكتب للمريض في الوصفة الطبية الدواء الأصلي المعروف يكتب له هذا الدواء الجديد، بناء على ماذا؟ بناء على تلك الهدايا المغرية، سفر إلى تركيا وربما هدايا فاخرة وبأثمان غالية، فالعلماء يقولون إذا كان هذا الدواء هو نفسه الدواء الأصلي الأول لا يختلف عنه لا في المقادير ولا غير ذلك هو على الخيار له أن يكتب له هذا الدواء الجديد ويعين هؤلاء في تسويق دوائهم ولكن بشرط أن لا يكون قصده تلك الهدايا، أن لا يكون قصده تلك الهدايا، فإذا كان قصده الهدايا لا يجوز هذا الفعل لأنه خرج عن وظيفته، كان طبيبا فأصبح محلا للتسويق، فأصبح مسوِّقا وهذا لا ينبغي لأنه قد يترتب عليه مضار أخرى بعد ذلك، أما إذا كان الدواء يعني مقاديره تكون أضعف من الدواء الأصلي فهذا بطبيعة الحال لا يجوز لأنه نوع غش لمرضى المسليمن طمعا في تلك الهدايا، نسأل الله -تبارك وتعالى- العفو والعافية.

وفي آخر السؤال قال أخونا الطبيب: فمثل هذه الهدايا هل هي من هدايا العمال؟

لا هذه لا تعتبر من هدايا العمال، هدايا العمال المقصود بها العمال يعني المسؤولون الذين استعملهم ولي الأمر على مصالح المسلمين العامة كالقاضي وكصاحب الشرطة وكرئيس البلدية الوالي هؤلاء، لأنه الهدايا التي تعطى لهم تفسدهم، ولهذا وصفها النبي - صلى الله عليه وسلّم – بأنها سحت، «هدايا العمال سحت»(2) بمعنى أنها محرمة لا يجوز أخذها، لا يجوز إعطاؤها ولا أخذها وقبولها، لأنها تفسد هؤلاء العمال ويصبحون يقدمون أصحاب الهدايا على غيرهم، هذا والله -تبارك وتعالى- أعلم، يعني نحن نصيحتنا لهذا الطبيب بما نصحنا به الشيخ ابن باز ولكن إذا رأى أنه هؤلاء الناس الذين في هذه المناطق النائية والقرى يكون في رفض هداياهم كسر لخاطرهم فالأولى أن تقبل هذه الهدايا وتبين لهم فقط أنك لا تفعل هذا لأجل هذه الأمور ولكن هذا واجبك وكذا وكذا، فيكون سبب من أسباب التحاب وحسن التعامل بينك وبينهم.

والله -تبارك وتعالى- أعلم وأسأل الله عز وجل أن يوفقك وأن يبارك لك وفيك والله أعلم.


(1) الترمذي:2518 ،والنسائي:5397 وصححه الألباني.

(2) [الكامل :458/1].

المؤلف: 
الشيخ أزهر سنيقرة
تاريخ المجلس: 
27-07-1439 هـ