عَسَى الغُوَيْرُ أَبْؤُسَا/ يوسف بن عومر

المؤلف: 
يوسف بن عومر

من أمثال العرب: " عَسَى الغُوَيْرُ أَبْؤُسَا "
استعماله:

1- قال الكُمَيْت بنُ زيد الأسدي (ت: 126 هـ) "من البسيط":

قالوا: أسَاءَ بَنُو كَرْزٍ، فَقُلْتُ لَهُمْ: *** "عَسَى الغُوَيْرُ بِأَبْآسٍ" وَأَغْوَارِ

2- وقال عبد الباقي العمري (ت: 1279 هـ) "من الرجز":

نالَ بِهِ أهْلُ الغَرِيّ أنْعُمَا *** فأَنشدوا: " عَسَى الغُوَيْرُ أَبْؤُسَا "

3- و"من مَنْهوك الرَّجز":

* عَسَى الغُوَيْرُ أَبْؤُسَا *

وقال البخاري – رحمه الله – (ت: 256 هـ) في "كتاب الشهادات": باب إِذَا زَكَّى رَجُلٌ رَجُلاً كَفَاهُ، وَقَالَ أَبُو جَمِيلَةَ : وَجَدْتُ مَنْبُوذًا، فَلَمَّا رَآنِي عُمَرُ قَالَ: "عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا"، كَأَنَّهُ يَتَّهِمُنِي، قَالَ عَرِيفِي: إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، قَالَ: كَذَاكَ؟ اذْهَبْ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ، وعند مالك - رحمه الله – (ت: 179 هـ): قال: نعم، قال: كذاك؟ اذهب، فهو حرٌّ ولك ولاؤه، وعند البيهقي – رحمه الله – (ت: 458 هـ): وعلينا نفقته في بيت المال.

قَالَ اِبْن اَلْأَعْرَابِيِّ –رحمه الله – (ت: 231 هـ ): ضَرَبَ عُمَرُ هَذَا اَلْمَثَل لِلرَّجُلِ يُعَرِّضُ بِأَنَّهُ فِي اَلْأَصْلِ وَلَدُهُ، وَهُوَ يُرِيدُ نَفْيَهُ عَنْهُ بِدَعْوَاهُ أَنَّهُ اِلْتَقَطَهُ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: كَأَنَّهُ يَتَّهِمُنِي .

شرح الغريب:

وَ"الْغُوَيْرُ" – بِالْمُعْجَمَةِ – تَصْغِير: غَار، وقيل: موضع، وقيل: ماء لكلب .
وَقَالَ اِبْن اَلْكَلْبِيِّ – رحمه الله –(ت: 204 هـ ): "اَلْغُوَيْرُ" مَكَان مَعْرُوف فِيهِ مَاء لِبَنِي كَلْبٍ كَانَ فِيهِ نَاس يَقْطَعُونَ اَلطَّرِيقَ، وَكَانَ مَنْ يَمُرُّ يَتَوَاصَوْنَ بِالْحِرَاسَةِ .
وَ"أَبْؤُسًا": جَمْعُ بُؤْسٍ وَهُوَ اَلشِّدَّةُ . قال ابنُ بري – رحمه الله – : الصحيح أَنَّ الأَبْؤُسَ جمع بَأْس، وهو بمعنى: الأَبْؤُس، لأَنَّ باب "فَعْلٍ" أَن يُجْمَعَ في القلة على "أَفْعُلٍ" نحو: كَعْبٍ وأَكْعُبٍ وفَلْسٍ وأَفْلُسٍ ونَسْرٍ وأَنْسُرٍ، وباب "فُعْلٍ " أَن يُجْمَع في القلة على" أَفْعال" نحو: قُفْلٍ وبُرْدٍ وأَبْرادٍ وجُنْدٍ وأَجنادٍ، يقال: بَئِسَ الشَّيءُ يَبْأَسُ بُؤْساً وبَأْساً: إذا اشتدَََّ .

إعرابه:

وَانْتَصَبَ "أَبْؤُسا" عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ عَسَى عِنْد مَنْ يُجِيزُهُ، أَوْ بِإِضْمَارِ شَيْء تَقْدِيره: عَسَى أَنْ يَكُونَ اَلْغُوَيْر أَبْؤُسًا، وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ "اَلْمُغْنِي" .

مَوْرِدُه:

أَصْله كَمَا قَالَ اَلْأَصْمَعِيّ – رحمه الله – (ت: 216 هـ): أَنَّ نَاسًا دَخَلُوا غَارًا يَبِيتُونَ فِيهِ فَانْهَارَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ، وَقِيلَ وَجَدُوا فِيهِ عَدُوًّا لَهُمْ فَقَتَلَهُمْ.

مَضْرِبُه:

يقال لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ فِي أَمْرٍ لَا يَعْرِفُ عَاقِبَتَهُ، وهُوَ مَثَلٌ مَشْهُورٌ، ويُقَالُ – أيضا - فِيمَا ظَاهِرُهُ اَلسَّلَامَة وَيُخْشَى مِنْهُ اَلْعَطَب، وَرَوَى اَلْخَلَّال – رحمه الله – (ت: 311 هـ) فِي "عِلَلِهِ" عَنْ الزُّهْرِيِّ – رحمه الله – (ت: 124 هـ ): أَنَّ أَهْلَ اَلْمَدِينَةِ يَتَمَثَّلُونَ بِهِ فِي ذَلِكَ كَثِيرًا.

أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ:

هي: اَلزَّبَّاءُ - بِفَتْحِ اَلزَّايِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَدِّ - لَمَّا قَتَلَتْ "جُذَيْمَةُ" "اَلْأَبْرَشَ، وَأَرَادَ "قَصِير" - بِفَتْحِ اَلْقَافِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَة - أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهَا، فَتَوَاطَأَ "قَصِير" وَ"عَمْرو" اِبْنُ أُخْتِ "جُذَيْمَةَ" عَلَى أَنْ قَطَعَ "عَمْرو" أَنْف "قَصِير"، فَأَظْهَرَ أَنَّهُ هَرَبَ مِنْهُ إِلَى "اَلزَّبَّاءِ" فَأَمِنَتْ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْهُ تَاجِرًا فَرَجَعَ إِلَيْهَا بِرِبْحٍ كَثِير مِرَارًا، ثُمَّ رَجَعَ اَلْمَرَّة اَلْأَخِيرَة وَمَعَهُ اَلرِّجَالُ فِي اَلْأَعْدَال مَعَهُمْ اَلسِّلَاح، فَنَظَرَتْ إِلَى اَلْجِمَالِ تَمْشِي رُوَيْدًا لِثِقَلِ مَنْ عَلَيْهَا فَقَالَتْ : "عَسَى اَلْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا"، أَيْ: لَعَلَّ اَلشَّرَّ يَأْتِيكُمْ مِنْ قِبَلِ اَلْغُوَيْرِ.

وفي بعض الرِّويات: أنَّ "قَصِيرا" دخل إلى "الزَّبَّاء" والعير متأخرة عنه، فقال لها: قفي فانظري إلى العير، فرَقَتْ سطحاً لها، فجعلت تنظر إلى العير وهي تمشي قليلاً قليلاً، فأنكرت مشيتها، وقالت:

ما للجِمالِ مَشْيُها وَئِيدَا *** أجَنْدَلاً يحملْنَ أمْ حَدِيدَا
أمْ صَرْفاناً بارِداً شَدِيدَا *** أمِ الرِّجالَ جُثَّماً قُعُودَا

والصرفان: الرَّصاص، فانتهَوْا إلى الحِصن الذي هي فيه، وقد أظلم الليل، وَكَأَنَّ "قَصِيرًا" أَعْلَمَهَا أَنَّهُ سَلَكَ فِي هَذِهِ اَلْمَرَّةِ طَرِيق اَلْغُوَيْر، فَلَمَّا دَخَلَتْ اَلْأَحْمَالُ قَصْرَهَا خَرَجَتْ اَلرِّجَالُ مِنْ اَلْأَعْدَال فَهَلَكَتْ .

وانظر: "المستقصى من أمثال العرب" للزخشري، و"مجمع الأمثال" للميداني، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه، و"فتح الباري" لابن حجر العسقلاني، و"خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب" للبغدادي، و"لسان العرب" (غور) لابن منظور وغيرها.

كتبه: أبو الحارث يوسف بن عومر
في: 10 / 11 / 1435 هـ الموافق لـ: 05 / 09 / 2014 مـ.