كبرى المشاكل المهددة لشباب اليوم والمستقبل

المؤلف: 
عبد الصَّمد سليمان

 

بسم الله الرحمن الرحيم

من المعلوم أن أكبر شريحة في المجتمعات الإسلامية هي شريحة الشباب، ولذلك اهتم المصلحون بها، واعتنوا العناية العظيمة بالكلام على مشكلاتها، ومحاولة ايجاد حلول لها، ولاشك أن المشكلات التي تعترض حياة هذه الشريحة كثيرة ومتنوعة، وأن الكلام عليها يطول؛ ولذلك اخترت الكلام في هذه المقالة على مشكلة من مشاكلهم؛ هي أعظم مشكلة تعترضهم في نظري، وأكبر معضلة تواجههم في اعتقادي، وإليكم الكلام عليها في نقاط:

النقطة الأولى في عرض المشكلة وهي: مشكلة الأفكار والمفاهيم والتصورات والمبادئ:

وهذه هي مشكلة المشاكل التي تعترض طريق الشباب كونها المشكلة التي تتفرع عنها كثير من المشاكل الأخرى فهي مشكلة كلية وليست مشكلة جزئية وبيان ذلك:

أن الإنسان هو عبارة عن أفكار ومفاهيم وتصورات ومبادئ؛ تراكمت لديه في سني حياته، وصارت توجهه وتشكل أقواله وأفعاله وتصرفاته، فالتصورات هي منبع التصرفات، والحركات والسكنات والأحوال والمعاملات مظاهر لما يعمر القلوب من المفاهيم المتنوعات والأفكار المختلفات.

ومن المعلوم أن التصورات والعقائد تعتبر بالنسبة للناس جميعا أهم قائد، وهي كثيرة ومتنوعة وبحسب اختلافها وتنوعها تتنوع تصرفات الناس المتبنين لها، فكل واحد من الناس ينطلق في كليات حياته وجزئياتها من أساس خاص، وهو الذي يسمى عند الناس بأسماء كثيرة وهي: المفاهيم، التصورات، الأفكار، العقائد، المبادئ، إلى غير ذلك، والذي يهمنا أنهم يقصدون معنى واحدا وهو: ما رسخ في قلب العبد وباطنه - من نظرة لنفسه، ومجتمعه، والكون المحيط به، وعالم الشهادة الداخل تحت تجاربه وأبحاثه، وعالم الغيب الذي يُخبر عنه من أهل العلم به ولا يدخل تحت إمكانياته - مما تنبني عليه تصرفاته في نفسه ومع غيره، ومعاملاته لكل ما يحيط به.

النقطة الثانية في بيان مصادر هذه المفاهيم والتصورات وكيف تكتسب تلكم الأفكار والمعتقدات:

واعلم رحمك الله أن هذه التصورات والعقائد يبدأ حصولها للإنسان منذ نعومة أظافره، وأوائل وعيه، وأنه يتعلمها ويكتسبها من خلال ما يحيط به، ويطلع عليه، فحصولها له يكون عن طريق إرادتين وبسبب جهدين: إرادة خارجة عنه وجهد مبذول من غيره، وإرادة خارجة منه وجهد صادر عن نفسه؛ وبيانه كالتالي:

1- أما الإرادة الأولى والجهد الأول: فهي إرادة العاملين فيه، وجهد المؤثرين عليه؛ وهم أصناف من الناس كلهم يسهم في بلورة أفكاره، وتشكيل تصوراته وعقائده، سواء عن حسن نية، أو عن سوء طوية، وهم:

الوالدان: وهم من أول من يبلور فكره وعقيدته، ومن أكثر الناس تأثيرا فيه وفي تصوراته، كونهما أقرب الناس منه، وأول المتعاملين معه، فمنذ أن يبدأ وعيه يبدآن في تشكيل أفكاره وعقائده وتكوين مفاهيمه وتصوراته.

المعلمون: وهم أيضا من أعظم الناس تأثيرا فيه، وتشكيلا لتصوراته ومفاهيمه، ذلك لاعتقاده أن منزلة المعلم أعلى من منزلته، ومعلوماته أكثر من معلوماته، فلذلك تجده يحتقر نفسه عنده، ويتطامن بين يديه، فيثق به ويسلم نفسه إليه، وبالتالي يأخذ عنه كل ما يلقيه عليه، وبخاصة في حال صغره وقلة معلوماته، وحسن ظنه بمعلمه، وتعظيمه لأستاذه، فالتلميذ في غالب أمره ثمرة أستاذه وصنيعة معلمه.

الأصحاب والأصدقاء والخلان ممن يصاحبهم ويخالطهم وتكثر مجالسته لهم: وهؤلاء أيضا من أكثر من يؤثر فيه، ويبلور أفكاره وتصوراته، لقربه منهم، ولحرصه على مجانستهم ومشاكلتهم وموافقتهم وإرضائهم، وقد قيل: الصاحب ساحب، والمجالسة تقتضي المجانسة، والطبع سراق.

المجتمع برمته: والمجتمع أيضا له تأثير كبير عليه، وأثر بالغ فيه، ذلك أن الإنسان مدني بالطبع لا يمكنه أن يعيش لوحده، ويحيا بمفرده، بل لابد له أن يكون مع بني جنسه؛ يخالطهم ويعاشرهم ويعاملهم لأن مصالحه متوقفة على ذلك كله، ومن هنا كان تأثيرهم فيه لازما، وعملهم في فكره وتصوره متحتما، ولا شك أن السائد في المجتمع - من المبادئ والتصورات، والمفاهيم والمعتقدات - يبقي أثره في قلبه، إن لم ينطبع بأكمله فيه.

2- أما الإرادة الثانية والجهد الثاني: فهي إرادة نفسه الطامحة في تحقيق رغباتها، وجهد ذاته الساعية لتحصيل مراداتها، وهي وإن كان لها ارتباط بالغير، إلا أن منشأها من النفس في أول الأمر، ذلك أن الإنسان لفضوله يقصد مظانها، ولميوله إلى المعرفة يطرق وسائلها، والوسائل التي يأتيها بإرادته، ويبذل في مطالعتها قصارى جهده؛ كثيرة ومتنوعة وكلها ذات تأثير كبير عليه، وعمل شديد في تصوراته ومفاهيمه وعقائده، ومنها:

- الكتب والرسائل والمصنفات التي يقرؤها، ويطالعها ليستبطن ما فيها، ويستفيد من مضامينها؛ فإن هذه الكتب لها تأثير شديد على القارئ لها، ومساهمة كبيرة في بلورة فكر وعقيدة مطالعها، لأن أصحابها المؤلفين لها قد ضمنوها من طرق البيان المنمقة المبدعة، والبراهين والأدلة المفحمة المقنعة، ما يجعل القارئ لها يُقْبِلُ على اعتقاد ما ذكر فيها، وتبني ما عرض بين ثناياها.

- وسائل الإعلام الحديثة من مقروء ومسموع ومرئي:

أ- فالمقروء كالصحف والمجلات، وما يبث على الشبكة العنكبوتية في المواقع والمنتديات، وسائر ما فيها من مساحات وقنوات، وهذه أعظم تأثيرا من الكتب التي تقدم الكلام عليها؛ لكثرتها، وسهولة الحصول عليها، وعظيم افتتان الناس بها.

ب- أما المسموع فكالخطب والمحاضرات والدروس والندوات والفتاوى والتوجيهات، وهذه أيضا لها تأثير عظيم وإسهام كبير في بلورة أفكار الناس ومفاهيمهم، وتصوراتهم وعقائدهم؛ وذلك لأن أهلها والقائمين عليها في الغالب قد أوتوا شيئا من حسن العرض لها، والتدرج في إقناع الناس بها، كما أنهم يحرصون على دعم آراءهم بما يمكنهم من الأدلة والبراهين التي تؤيدها وتساندها، وتجعلها مقبولة عند السامعين لها.

ت- وأما المرئي فكالأخبار والحوارات، والأفلام والمسلسلات، والأشرطة بأشكالها المختلفات، وسائر أنواع الألعاب والمسليات، ولعل هذه الوسيلة الأخيرة هي أكثر الوسائل التي تبلور أفكار الناس بأكملها، وتسهم في تكوينها وتنميتها وتوجيهها إلى الوجهة التي تريدها، وما ذلك إلا لقوة تأثيرها، وكثرة المؤثرات التي تصحبها؛ وتجذب النفوس إليها، وتميل القلوب عن مبادئها وعقائدها وكل ما رسخ من مسلمات فيها، فإن أصحاب هذه المرئيات يحرصون على تزيين ما يعرضون، وتنميق ما يبثون؛ بأنواع من المحسنات، وأشكال من المُجَمِّلَات؛ التي تأخذ بألباب الناظرين، وعقول المشاهدين، وقد اجتهدوا في وضع كل ما يوجد فيها؛ على هيئة تشد الناظر إليها، وتجعله تحت تصرفها؛ بالصوت الرنان، والتصوير الفتان، والإثارة الآسرة، والصورة الفنية الباهرة، والتشويق المذهل، والترغيب المشغل، والقصص المغرية، والحكايات المسلية، وغيرها كثير مما يؤثر في الصغير والكبير، ويشكل أفكاره وعقائده ومفاهيمه وتصوراته.

النقطة الثالثة في الكلام على تقييمها وكيفية التعامل معها:

فإذا تقرر عندنا أن التصورات هي منبع التصرفات، وأن مظان حصولها والتأثر بها كثيرة ومتنوعة؛ صار من أهم المهمات، وأوجب الواجبات على العبد أن يفرز فيما بينها[1]، وأن يحسن اختيار المنابع التي يستقيها منها، ولن يحسن الفرز والاختيار إلا بأن تكون عنده قاعدة كلية ينطلق منها، ويستند إليها، في معاملة هذا الكم الهائل من المفاهيم والأفكار والتصورات والمعتقدات التي تلقى عليه بإرادة من غيره وجهد من سواه أو يطلع عليها بإرادته وقصده ويسعى إليها بنفسه وذاته.

والقاعدة الكلية في ذلك كله بالنسبة للمسلم المتمسك بدينه هي: محاكمة مصادر هذه المفاهيم والتصورات المختلفات، والعقائد والأفكار المتباينات، إلى ميزان مأمون ومرجح معصوم ألا وهو كتاب الله سبحانه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

1- التعامل بهذا الميزان مع الإرادة الأولى والجهد الأول:

فيتعامل بهذا الميزان مع المؤثرات الخارجية عنه والتي تقصده بإرادتها وتعمل فيه بجهودها، وهذه إما أن تكون قد عملت فيه وإما أنها لازالت لم تعمل فيه، فإن كانت الأولى وجب عليه مراجعة ما عنده، وعرض ما لديه على هذا الميزان المأمون فما وافقه أبقاه، وما خالفه طرحه، وإن كانت الثانية فينظر إليهم، ويحكم من خلال الميزان عليهم، فإن أجازهم الميزان نهل منهم، وتلقى عنهم، وإن منعه الميزان تركهم، وتخلى عن مخالطتهم والسماع لهم؛ وتفصيل هذا على النحو التالي:
- الوالدان: لا شك أن الوالدين يعملان في ولدهما كما تقدم مبكرا، قبل أن يكون عاقلا مفكرا، ولذلك قد ينشآنه على خلاف الطريقة المرضية، وعلى عكس السبيل السوية، كما أشار إلى ذلك خير البشرية وسيد البرية؛ فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:" مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ" ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيرَةَ رضي الله عنه:" فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ" رواه البخاري ومسلم. ومع ذلك فإذا كبر وعقل ورجع إلى ميزان الله الكامل أمكنه أن يغير حياته بتصحيح ما نشأ عليه من المفاهيم المغلوطة، والتصورات المخلوطة، فيحاول دائما أن يصلح نفسه بتقويم حياته على وفق كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
المعلمون: أما بالنسبة للمعلم الذي يقصد بث تصورات فيه، وتزين عقائد لديه؛ فينظر إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فإن كان ما جاء به المعلم موافقا لهما مطابقا لتعاليميهما قبله وعمل به، وبنى حياته بأكملها عليه، وإن كان مخالفا لهما متنكبا طريقيهما رفضه، وأنكره، وبنى حياته بأكملها على تركه ومجانبته، هذا في حالة ما إذا كان المعلم مفروضا عليه؛ لا يمكن أن يختاره بنفسه، أما إذا أمكنه الاختيار لم يختر منهم إلا المرضي في دينه وعلمه، الممدوح في خلقه وهديه، كما قال الله جل وعلا:"فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" سورة النحل من الآية 43، فأمرنا بالرجوع لأهل الذكر ولم يأمرنا بالرجوع لغيرهم، وأهل الذكر هم العلماء بكتاب الله سبحانه وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وإلى هذا المعنى أشار الإمام محمد بن سيرين رحمه الله في ما أثر عنه مما رواه الإمام مسلم في أول صحيحه قال رحمه الله:" إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ".

الأصدقاء والأصحاب والخلان:وهؤلاء لشدة تأثيرهم فيه، وعظيم أثرهم عليه؛ جاءت النصوص الشرعية تبين للمسلم خطورتهم وخطورة التساهل في شأنهم، كما أنها جاءت تؤصل له كيفية انتقائهم وطريقة التعامل معهم؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وغيرهما وحسنه العلامة الألباني رحمه الله في تخريجه لكتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ص55[2]. وعَنْ أَبِى مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ:" إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً" رواه البخاري ومسلم.وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ:" لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِىٌّ" رواه أبو داود غيره وحسنه العلامة الألباني رحمه الله في صحيح الجامع رقم 7341.

المجتمع الذي يحيا فيه: أما بالنسبة للمجتمع الذي يحيا فيه، ويعيش بين أهله؛ فلا يتلقى عنهم كل ما يسمع منهم، بل يعرض ما يصله من قواعدهم ومفاهيمهم وتصوراتهم على الميزان الشرعي، فما وافق الحق قبله، وما خالفه رده ولم يعبأ به، وكلما كان المجتمع أبعد عن شرع الله، كلما اشتد تمسكه بدينه واستقام أكثر عليه، ومهما مارس عليه المجتمع من الضغوط ليوافقهم على طريقتهم، ويسايرهم على مناهجهم[3]؛ لا يستسلم ولا يذعن لهم، بل يزيده ذلك صلابة في دينه، وقوة في تمسكه به، وليجعل نصب عينيه قول النبي صلى الله عليه وسلم:"فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِى فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ" رواه الترمذي وغيره من حديث العرباض بن سارية وصححه العلامة الألباني رحمه الله في صحيح الجامع رقم 4369،ولا يستوحشن من قلة المتمسكين بالعقائد الصحيحة، وكثرة المخالفين من أصحاب المفاهيم والتصورات المنحرفة؛ فإن الحق لا يعرف بالكثرة، وإنما يعرف بقواطع الأدلة، ولذلك إذا كان العبد على الحق المبين، لم يفزعه كثرة المخالفين والمعارضين، وإن مما يهون عليه سلوك الطريق، ويخفف عنه ما يجده بسبب التفرد من كرب وضيق؛ ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث تذكر هذه الحال وتشجع على الثبات في مختلف الأحوال، ومنها: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-:" لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِى مَا أَتَى عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلاَنِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِى مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ وَإِنَّ بَنِى إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِى عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلاَّ مِلَّةً وَاحِدَةً قَالُوا وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي" رواه الترمذي وغيره وحسنه العلامة الألباني رحمه الله في صحيح الجامع رقم: 9474، وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-:" بَدَأَ الإِسْلاَمُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ" رواه مسلم، وعن مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه: قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ:" لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ" رواه البخاري ومسلم، ومن أفضل ما جاء من الآثار في هذا المعنى قول الفضيل بن عياض رحمه الله حيث قال:"اتبعْ طُرقَ الهُدى ولا يَضرك قلَّةُ السالكينَ، وإِياكَ وطُرُقَ الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين".

2- التعامل بهذا الميزان مع الإرادة الثانية والجهد الثاني:

- ويتعامل مع المؤثرات الأخرى من وسائل العلم والإعلام والتي قد يقصدها بإرادته، ويسعى إليها بجهده، بحذر شديد قد يصل إلى البعد عنها، وترك مباشرتها:

وهذه الوسائل رغم شدة تأثيرها، وعظيم فتنتها، وكبير ارتباط الناس بها؛ حتى صار يهيأ لبعضهم أنه لا يستطيع الحياة بدونها؛ إلا أن العاقل يزهد فيها، ولا يقبل عليها، مستعملا لها، إلا في حدود ضيقة.
ومما يزهده فيها وينفره عنها أمور:

الأمر الأول: علمه أن مشكلة هذه الوسائل الإعلامية الحديثة أنها مفتوحة لكل أحد يريد أن يشارك فيها، ويعرض آراءه من خلالها، ويبث فكره وما يتبناه عن طريقها، ولا يشترط فيمن أراد المشاركة فيها أي شرط من الشروط، ولا أي ضابط من الضوابط، فلأجل هذا كثر المشاركون فيها ممن لا يعرف شخصه ولا مشربه ولا مستواه ولا غرضه، فأصبح في إمكان الجميع أن يبث أفكاره وتصوراته ومفاهيمه وعقائده؛ ويحاول أن يقنع الناس بها، ويدعوهم لتبنيها؛ دون أي مانع يمنعه، ولا رادع من أهل الحق يردعه، وهذا مما يجعل المستعمل لها عرضة للأخطار، ولتلقي ما يضر به من المفاهيم والأفكار، وبسبب اختلاط الحابل بالنابل في هذه الوسائل فإن العاقل يتجنبها، ولا يعتمد على ما يبث فيها، لأمرين اثنين:

الأول: لعدم ثقته بمن يشارك فيها؛ فهو لا يعلم شخصه فإن علم لم يعلم مشربه، ولا يعرف مستواه فإن عرف لم يعرف مقصده، ولا يعلم أعدو هو أم صديق ومؤمن هو أم كافر زنديق؟.
الثاني: لأنه يعلم ويعي أن ترك الاعتماد عليها بسبب عدم معرفة حقيقة المشاركين فيها هو سبب السلامة من شرها وخطرها.

الأمر الثاني: ثم إن المسلم العاقل ليترفع عن أن يكون محلا لكل وارد، ومستقرا لكل وافد، فلا يرضى أن يسمع لكل من هب ودب، ولا أن يتلقى ما يجيئه من كل حدب وصوب، بل لا يأخذ إلا عمن يفيده في أمور دينه، ولا يثق إلا فيمن تحققت فيه أسباب الثقة به، وهم العلماء الربانيون؛ العالمون العاملون، الداعون الموجهون، أهل الأخلاق الفاضلة والخصال النبيلة، من أقبل على آخرته يجتهد في إصلاحها، وزهد في دنياه فلا تراه معتنيا بها، الذين ذكر الله في كتابه فضائلهم وأمرنا سبحانه بالرجوع إليهم، قال تعالى:"أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)" سورة الزمر، وغيرها كثير. وقال تعالى:"وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)" سورة النحل. فهل يترك المسلم العاقل هؤلاء العلماء ويربط نفسه ويضيع وقته في السماع للجهلة من الصحافيين والمفكرين والممثلين والفنانين وغيرهم ممن صار يوجه الناس ويعلمهم ويرشدهم ويربيهم.

الأمر الثالث: ومما يزهد المسلم العاقل في هذه الوسائل أنها صارت ترفع كل وضيع، وتضع كل رفيع، وقلبت الموازين، وجاءت بالجديد من القوانين، فيكفي الرجل ليكلم الناسَ عن طريق هذه الوسائل ويحاول توجيههم أن يكون مشهورا أو مفكرا، أديبا أو شاعرا، سياسيا أو ثريا مكثرا، إلى غير ذلك من سلسلة من يرفع في هذه الوسائل، وتضفى عليه من الألقاب التي تجعله في الثريا وهو في حقيقته سافل، ويصدق في هؤلاء قول الشاعر:

 

 

مما يزهِّدني في أرضِ أندلُس *** أسماءُ معتضدٍ فيها ومعتمدِ
ألقابُ مملكةٍ في غير موضِعِها ***كالهر يحكي انتفاخًا صولةَ الأسدِ
 

وهؤلاء هم الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنهم أنهم سيأتون في آخر الزمان ويتكلمون فيما لا يحسنون ويوجهون وهم جاهلون؛فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-:" سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ قَالَ الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ" رواه أحمد وابن ماجه وصححه العلامة الألباني رحمه الله في الصحيحة رقم 1887. وجاءت عند الإمام أحمد رحمه روايات لهذا الحديث منها: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى النَّاسِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ" قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ:" السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ"، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إِنَّ أَمَامَ الدَّجَّالِ سِنِينَ خَدَّاعَةً، يُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيَتَكَلَّمُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ". قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ:" الْفُوَيْسِقُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ" فكيف يأخذ المسلم العاقل عن التافه من الرجال، والفويسق السفيه ولا سفه الأطفال.
الأمر الرابع: مما يزهد المسلم العاقل في هذه الوسائل أنها صارت تربط المسلم بالكافر والبر بالفاجر، حتى أصبح المسلم لعدم علمه بشريعة ربه، أو لقلة استقامته على دينه؛ يأخذ عن الكفار والمشركين، ويتتلمذ على أيدي الجاحدين الملحدين، ولا يتحرج من السماع لهم، والتتبع لأخبارهم، بل والثقة بنقولاتهم وتحليلاتهم، وهذا فيه مخالفة صريحة للنص القرآني، والبيان الرباني حيث يقول رب العزة سبحانه:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)" سورة الحجرات. فإذا كان هذا حكم خبر المسلم الفاسق، فما بالكم بخبر الكافر والمنافق؟ ولهذا فالمسلم العاقل يستنكف عن أن يسمع من أعداء الله الكافرين، والمحاربين لدين رب العالمين، ولو أظهروا التسامح واللين، وتظاهروا بإرادة الخير للمسلمين، فإنه يعلم حقيقتهم من خلال كلام الله الذي فضح طويتهم، وبين له سوء مقاصدهم؛ فقال سبحانه وتعالى:" وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)" سورة البقرة. ثم إن من خطورة مشاهدته لهم، وتواصله معهم؛ أن يعظمهم ويحبهم، ويميل بقلبه إليهم، وينكسر عنده حاجز الولاء والبراء الذي يحفظه من شرهم.

الأمر الخامس: أن يعرف حكم الله في استعمال هذه الوسائل وما يبث فيها، ويطل عليه من خلالها، فإن المسلم لا يقدم على شيء حتى يعرف حكم الله فيه، لأنه عبد لربه، خاضع لجلاله، عامل بشريعته، يعلم أن لله عليه عبودية يجب أن يحققها في سائر شؤونه، والمسلم ليس كغيره ينطلق في الحياة دون ضابط يضبطه، ولا منهج يسير عليه يلزمه أن لا يخالفه، وإنما هو مقيد في شؤونه وأموره بدين الله الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم، ولأجل هذا فالمسلم يبحث عن حكم الله في كل أمر يعن له، ويريد أن يعمل به، وإذ الأمر كذلك فما حكم هذه الوسائل التي يكتسب منها تصوراته ومفاهيمه وأفكاره واعتقاداته:

إن القاعدة العامة التي ينطلق منها المسلم في الكثير من أموره، والعديد من شؤونه هي: أن كل ما فيه ضرر يجب عليه أن يتجنبه، ولا يجوز له أن يأتيه، وهذه قاعدة كلية جاء ذكرها في حديث عبد الله بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-:" لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" رواه أحمد وابن ماجه وصححه العلامة الألباني رحمه الله في الصحيحة رقم 250.

ومن هنا يتبين للعبد حكم هذه الوسائل بأكملها، مما يقصده الإنسان بإرادته، ويبذل في استعماله والتلقي منه جهده، وهو: أن كل ما يعود عليه بالضرر، ويكون فيه على دينه وخلقه الخطر، يجب تركه والبعد عنه، وعدم قربانه تجنبا لشره.

ومما يؤكد هذه القاعدة العامة ويوجب العمل بها فيما يتعلق بالوسائل المقروءة من كتب وصحف ومجلات وما ينشر على الشبكات ما جاء عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُتُبِ فَقَرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَضِبَ فَقَالَ:" أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِيِ" رواه أحمد وحسنه العلامة الألباني رحمه الله في الإرواء رقم 1985 وفي غيره.

ومما يؤكد هذه القاعدة في جانب المسموعات التي تثمر الفاسد من التصوراتما جاءعَنْ أَبِى الدَّهْمَاءِ قَالَ سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-:" مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهْوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ أَوْ لِمَا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ" هَكَذَا قَالَ. رواه أحمد وأبو داود وصححه العلامة الألباني رحمه الله في المشكاة رقم: 5488.

ومما يؤكد هذه القاعدة في جانب المرئيات التي تسلب القلوب الفارغات ما جاء عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ أَنَّهُ قَالَ أَتَيْتُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْنِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدَّجَّالِ وَلَا تُحَدِّثْنِي عَنْ غَيْرِكَ وَإِنْ كَانَ عِنْدَكَ مُصَدَّقًا فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" أَنْذَرْتُكُمْ فِتْنَةَ الدَّجَّالِ فَلَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ أَوْ أُمَّتَهُ وَإِنَّهُ آدَمُ جَعْدٌ أَعْوَرُ عَيْنِهِ الْيُسْرَى وَإِنَّهُ يُمْطِرُ وَلَا يُنْبِتُ الشَّجَرَةَ وَإِنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَى نَفْسٍ فَيَقْتُلُهَا ثُمَّ يُحْيِيهَا وَلَا يُسَلَّطُ عَلَى غَيْرِهَا وَإِنَّهُ مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ وَنَهْرٌ وَمَاءٌ وَجَبَلُ خُبْزٍ وَإِنَّ جَنَّتَهُ نَارٌ وَنَارَهُ جَنَّةٌ وَإِنَّهُ يَلْبَثُ فِيكُمْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا يَرِدُ فِيهَا كُلَّ مَنْهَلٍ إِلَّا أَرْبَعَ مَسَاجِدَ: مَسْجِدَ الْحَرَامِ وَمَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَالطُّورِ وَمَسْجِدَ الْأَقْصَى وَإِنْ شَكَلَ عَلَيْكُمْ أَوْ شُبِّهَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ بِأَعْوَرَ" رواه أحمد وصححه إسناده العلامة الألباني في قصة المسيح الدجال ص71، ووجه الشبه بين قصة الدجال وهذه الوسائل، أن الدجال يأتي بأشياء ترى ولا حقيقة لها؛ تشد القلوب إليها، وتؤثر غاية التأثير فيها، وكذلك تفعل هذه الوسائل؛ فإن غالب ما يبث فيها مبناه على الخداع والخيال،والكذب والاحتيال، والتمويه الذي يلبس به على أهل التمام من الرجال، فضلا عن غيرهم من النساء وأنصاف المتعلمين والجهال، وكما أن الدجال لا يمكن لأحد أن يعرف خداعه ويتفطن لدجله إلا من كان منهم عالما بسنة نبينا، مؤمنا بها، متمسكا بالعلم الذي جاء فيها[4]، فكذلك هذه الوسائل لا يتفطن لشرها إلا العالم بالسنة المؤمن بها، العاض بالنواجذ عليها.

وأخيرا: هذه مشكلة عظيمة أعتقد أنها أعظم المشاكل التي تعترض طريق شباب اليوم والمستقبل، بل صارت تعترض طريق الشيوخ والكهل، وبالتالي تعترض طريق الأمة الإسلامية بالكامل.

وهذه المقالة طرقت فيها مسألة التصورات والمفاهيم مجردة كلية، ولم أعرض لصورها ونماذجها الجزئية، وفي مقالة لاحقة بإذن الله جل وعلا أذكر بعض الصور والنماذج السائدة، والتي صار للناس فيها تصورات فاسدة،انبنت عليها تصرفات خاطئة، كما نعرض لبيان الموقف الشرعي منها، والمفهوم الصحيح الذي ينبغي أن يتبناه المسلم تجاهها.

فإلى المقالة القادمة بإذن الله تعالى.

 

 

وكتب: أبو عبد السلام عبد الصمد سليمان
الثلاثاء 8 شعبان 1436 هـ
الموافق: 26 / 05 / 2015 م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]- أي: مميزا الصحيح من الباطل منها.
[2]- طبعة المكتب الإسلامي الطبعة الخامسة.
[3]- لأنهم يردونه أن يوافقهم على ما هم عليه على قاعدة: إذا عمت هانت، فلا يرضى المفسد أن يوجد الصالح لأنه بوجوده يفتضح أمره ويحس بذنبه فيريدها عامة حتى لا يوجد من يلومه ويعاتبه ولو بكلمة.
[4]- يدل على هذا ما جاء عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال في الدجال:"ما شبه عليكم منه فإن الله ليس بأعور يخرج فيكون في الأرض أربعين صباحا يرد منها كل منهل إلا الكعبة وبيت المقدس والمدينة الشهر كالجمعة والجمعة كاليوم ومعه جنة ونار فناره جنة وجنته نار معه جبل من خبز ونهر من ماء يدعو رجلا فلا يسلطه الله إلا عليه فيقول: ما تقول في؟ فيقول: أنت عدو الله وأنت الدجال الكذاب. فيدعو بمنشار فيضعه حذو رأسه فيشقه حتى يقع على الأرض ثم يحييه فيقول: ما تقول؟ فيقول: والله ما كنت أشد بصيرة مني فيك الآن أنت عدو الله الدجال الذي أخبرنا عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فيهوي إليه بسيفه فلايستطيعه فيقول: أخروه عني" أنظر قصة المسيح الدجال للعلامة الألباني رحمه الله ص 81 طبعة المكتبة الإسلامية عمان الأردن.